الشنقيطي
356
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تدرج في التنبيه على تلك المعاني العظام ، وانتقال بالعباد من مبدأ الإيمان بالرب لما شاهدوه من آثار الربوبية في الخلق والرزق ، وجميع تلك الكائنات ، كما تقدم في أول نداء وجه إليهم اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ [ البقرة : 21 - 22 ] . كل هذه الآثار التي لمسوها وأقروا بموجبها ، بأن الذي أوجدها هو ربهم ، ومن ثم ينتقلون إلى الدرجة الثانية ، وهي أن ربه الذي هذه أفعاله هو ملكه وهو المتصرف في تلك العوالم ، وملك لأمره وجميع شؤونه ، ومالك لأمر الدنيا والآخرة جميعا . فإذا وصل بإقراره إلى هذا الإدراك ، أقر له ضرورة له بالألوهية وهي المرتبة النهاية . إله الناس أي مألوههم ومعبودهم وهو ما خلقهم إليه ، وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . وفي إضافة الملك إلى الناس من إشعار الاختصاص ، مع أنه سبحانه ملك كل شيء ، فيه ما في إضافة الرب للناس المتقدم بحثه ، فهو سبحانه مالك الملك كما في قوله : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ [ آل عمران : 26 ] . وقوله تعالى : لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ [ التغابن : 1 ] . وقوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 107 ] ، وقوله : الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [ الحشر : 23 ] . فهو سبحانه وتعالى المتفرد بالملك لا شريك له في ملكه ، كما قال تعالى : وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ [ الإسراء : 111 ] فبدأ بالحمد أولا . ومثله قوله : فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [ يس : 83 ] ، بدأ بتسبيح نفسه وتنزيهه لعموم الملك ومطلق التصرف ونفي الشريك لأن ملكه ملك تصرف وتدبير مع الكمال في الحمد والتقديس . وكقوله : تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الملك : 1 ] .